حرائق المخيمات.. وجع يضاعف مأساة النزوح باليمن

المخا تهامة - الثلاثاء 22 نوفمبر 2022 الساعة 10:14 ص
الخوخه، نيوزيمن، أحمد داود:

كلمات ممزوجة بالحزن والقهر والدموع تلفظ بها "عيسى" أحد النازحين في مخيم الجشة بمديرية الخوخة، جنوب الحديدة.

وجدناه وهو ينظر إلى خيمته التي احترقت وتارة يبعد ناظريه إلى أطفاله وأفراد أسرته الذين أصبحوا في العراء، احتراق الخيمة التي تأويه منذ نزوحه وفراره من بطش ميليشيا الحوثي الإرهابية قبل نحو 6 سنوات.

يقول عيسى: خسرنا كل شيء، حتى أوراقي الهامة بطاقتي الشخصية وغيرها ذهبت رمادا، أفراد أسرتي لا يملكون سوى الملابس التي عليهم، حتى وثائقي لم يتبق منها شيء، فقدت كل ما يثبت اني انسان لقد فقدت كل شيء.. اتمنى الموت على ان أعيش بهذا الشكل وهذا القهر. 

لا يمكن أن ينسى النازح "عيسى" ما حدث له يوم  السبت 12 نوفمبر الفائت، عقب التهام النيران لنحو 60 خيمة من الخيام  المؤقتة التي تستخدمها الأسر النازحة في مخيم الجشة.

النجاة بأعجوبة

في ذلك اليوم المشؤوم، كما وصفه النازح "عيسى"، اندلع حريق هائل تمدد بسرعة بين خيام ومنازل النازحين المبنية من القش والخشب والخيام، ما دفع الكثير من الأسر إلى الفرار خشية تعرضهم للإصابة تاركين ممتلكاتهم وكل احتياجاتهم داخل تلك النيران العنيفة.

قرب الخيام عن بعضها بشكل كبير في المخيم ساعد كثيرا إلى جانب الرياح التي كانت تهب في انتشار النيران وتوسعها وسط عجز الأسر عن إطفائه.

يقول النازح عيسى لـ"نيوزيمن": تفاجأنا بامتداد الحريق إلى خيمتنا المبنية من القش والأخشاب، وتمددت النيران بشكل سريع جداً ما دفعني للخروج مع أطفال زوجتي من الخيمة لكي لا يصيبهم أي مكروه دون أن نتمكن من أخذ اغراضنا الهامة والضرورية.

وأضاف: أظلمت الدنيا في وجهي تلك الليلة المشؤومة ووجدت نفسي بلا مأوى في العراء أنا وأفراد أسرتي، وبدون غذاء ولا ملابس أو حتى أوراقنا الرسمية التي التهمتها النيران.

وبدأت الحسرة على وجه "عيسى" وهو ينظر إلى ما تبقى من خيمته، بعد حسرة النزوح التي عاشها بعد فراق منزله قبل 6 سنوات بسبب ظلم وبطش الميليشيات الحوثية التي أهلكت الحرث والنسل.

يقول النازح عيسى: لم استطع مشاهدة أفراد أسرتي وهو يبيتون في العراء، فقمت بتوزيعهم على بعض الخيام التي نجت من الحريق لأجل النوم في انتظار الحلول من الجهات الاغاثية والداعمة.

وضع مأساوي.. وليلة صعبة

يعد مخيم الجشة في الخوخة، أحد أكبر مخيمات النزوح في الساحل الغربي، والذي يحوي نحو 1200 أسرة من أهالي محافظة الحديدة الفارين من الأعمال العسكرية ومخاطر الاستهداف الذي تتعرض له مناطقهم السكنية في مديريات مختلفة من الحديدة والسهل التهامي.

وتعرض المخيم إلى حريق مفاجئ، وتسبب في التهام عشرات الخيام والمساكن المؤقتة، وسط معاناة لا يمكن وصفها، خصوصا وان الأسر باتت في العراء بعد فقدانها لخيامهم وممتلكاتهم الخاصة.

حريق مخيم الجشة، ليس الأول الذي تشهده مخيمات النازحين في الخوخة، فمنذ بداية العام الحالي 2022، تم تسجيل نحو 5 حرائق داخل المخيمات تسبب في الكثير من الأضرار المادية إلى جانب إصابات بشرية بينها أطفال.

وبحسب الإحصائيات فإن الحرائق التي شهدتها مخيمات النازحين في الخوخة تسبب في تدمير أكثر من 200 خيمة ومنزل أو عشة صغيرة، ويقطن تلك المنازل الصغيرة أكثر من 2000 شخص معظمهم من الأطفال والنساء.

معاناة كبيرة تتجرعها الأسر النازحة وفق أوضاعهم الصعبة التي يقاسونها منذ نزوحهم القسري وإخراجهم من ديارهم، فتلك المخيمات دائما ما تتعرض إلى كوارث بدءاً من الأمطار والسيول التي تتلف الكثير من خيامهم، وصولاً إلى الحرائق والأضرار الكبيرة التي تخلفها.

انعدام أدوات السلامة

مع اندلاع كل حريق في مخيمات النزوح في الحديدة وباقي المحافظات اليمنية المحررة، يعود السؤال الأهم عن سبب عدم وجود أدوات السلامة في كل تلك التجمعات التي تكون عرضة للكوارث والحرائق بسبب بناء تلك الخيام والعشش والأكواخ الخشبية.

امتداد النيران داخل المخيم كان سريعاً وصعّب جهود النازحين الذين حاولوا جاهدين إخماده مع بداية الحادثة. ووجود طفايات الحرائق لو بعدد محدود في المخيم كان سيفرق كثيرا في الحد من تمدد الحريق وانتشاره، وتقليل الخسائر البشرية والمادية.

أحد النازحين تحدث لـ"نيوزيمن": المواطنون هبوا بشكل كبير لإطفاء الحريق قبل توسعه والتهام كافة الخيام والأكواخ الخشبية التي تقطنها الأسر النازحة، موضحا أن عملية الإطفاء كانت بدائية وعشوائية وبدون حتى دراية في كيفية اطفاء الحرائق.

وأضاف: مثلما تأتي المنظمات لتقديم المساعدات الغذائية والإيوائية، نتمنى من إدارات الدفاع المدني النزول إلى المخيمات وإجراء دورات تأهيلية للأسر في كيفية التعامل مع الكوارث والحرائق وتسليم مشرفي تلك المخيمات طفايات حريق لاستخدامها عند وقوع الحوادث.

تكاتف الجهود

يقول رئيس الوحدة التنفيذية بمحافظة الحديدة، جمال مشرعي، في تصريح لـ"نيوزيمن": لحظة اشتعال الحريق تم تبليغ ادارة الوحدة من قبل مندوبها  وعلى الفور تم التواصل مع الجهات المعنية التي سارعت بإرسال أكثر من  10 وايتات "ناقلات مياه" من الألوية العسكرية المرابطة قرب المخيم، إلى جانب التواصل مع مؤسسة طيبة وشركة جرينس أوشن التي ساندت عملية الاطفاء. 

وأضاف، هذه الكوارث يجب أن لا تتكر، وعلى الجهات المعنية سرعة توفير مستلزمات خاصة للمخيمات تكون بمثابة دفاع مدني تساعدهم في التخفيف من الكوارث التي قد تلحق بهم.

حرائق مأرب في رأس القائمة 

محافظة مأرب تعد المحافظة الأكبر التي تتواجد فيها مخيمات النزوح، على مستوى البلد. فبحسب الإحصائيات الرسمية يوجد فيها حتى العام 2022، أكثر من مليوني نازح ونازحة، يتوزّعون على 197 مخيمًا داخل مدينة مارب والأرياف المحيطة بها.

معظم الأسر النازحة تقطن في خيم قطنية قابلة للاشتعال وشبكيات غير آمنه، يكونون عرضة بشكل كبير للحرائق دون أي حلول أو استجابة من المنظمات الإنسانية لنداءات الاستغاثة التي توجهها الوحدة التنفيذية والنازحون بشأن توفير أدوات السلامة الضرورية.

وبحسب الإحصائيات الصادرة عن إدارة مخيمات النازحين، حول عدد الحرائق التي وقعت في المخيمات خلال الفترة من 2020 وحتى 2022، فقد بلغت نحو 261 مأوى موزعة على مخيمات النزوح في مختلف المحافظات اليمنية المحررة. تسببت تلك الحرائق في وفاة 23 شخصا، وإصابة 32 معظمهم من النساء والأطفال.

وأشارت الإحصائية أن 2020 سجل احتراق 66 مأوى كليًا، منها 59 خيمة و7 شبكيات، وتسببت تلك الحرائق في وفاة 5 من المدنيين بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، فضلا عن إصابة 12 شخصًا بينهم ثمانية أطفال وثلاث نساء ورجل وآخر من كبار السن.

وأوضحت الإحصائية، أن 2021 تم تسجيل 102 حادثة احتراق مأوى كليًا منها 93 خيمة و6 شبكيات و4 كرفانات. وأدت هذه الحرائق لوفاة أربعة أطفال وامرأتين، وإصابة تسعة أطفال وامرأة ورجل.

ومن يناير إلى أكتوبر 2022، تم توثيق احتراق 93 مأوى، اثنان منها جزئياً والبقيّة كلياً، منها 81 خيمة وست شبكيات وخمس كرفانات، إضافة إلى بيت شعبي. ونتج عنها وفاة 14 نازحاً بينهم ثمانية أطفال وأربع نساء ورجل، وإصابة 11 طفلًا وخمس نساء ورجال.

وإلى جانب الخسائر البشرية لتلك الحرائق، فقد سجلت الوحدة التنفيذية لمخيمات النازحين خسائر مادية كبيرة وصلت للملايين بين ممتلكات وأجهزة كهربائية متنوعة.

أسباب متكررة 

وعن أسباب الحرائق في المخيمات يؤكد المشرفون عليها أنها تعود إلى أسباب متعددة في مقدمتها التماس الكهربائي أو انفجار أسطوانات الغاز المنزلي، وكذا الربط العشوائي للتيار، ناهيك عن الإهمال في بعض الأسر التي تترك أطفالها يلعبون بأدوات الاشتعال. كما أن الكثير من الأسر تقوم بعملية الطباخة داخل تلك الخيام ما يتسبب في وقوع حرائق متكررة.

كما أن سبب الخسائر الكبيرة يعود إلى ازدحام المخيمات ونوعية المأوى المستخدم، وغالباً ما يكون خياما وعششا وأكواخا خشبية تكون سريعة الاشتعال والتمدد بين المخيم ولا يمكن إخمادها بسهولة دون وجود أدوات السلامة والدفاع المدني.

مساعدات ضئيلة

الكثير من النازحين المنكوبين من حوادث الحرائق في مخيمات النازحين، أكدوا أن استجابة المنظمات الدولية والمحلية ضعيفة جدا، فما يقدم لهم بعد الكارثة لا يكاد يعوضهم عن أبسط الاحتياجات الأساسية التي فقدوها في الحريق.

النازح "عيسى" وجه لنا سؤالا أثناء الحديث بالقول: إن المنظمات التي تتدخل تقدم فقط سلة غذائية أو مبلغا ماليا بسيطا لا يكفي حتى لتأمين ما فقدناه في الحريق، موضحا أن ما يتلقاه المتضررون من الحرائق لا يمثّل شيئاً أمام ما يخسرونه في الحادثة من أدوات ومقتنيات.

وبحسب مشرفين في مخيمات النزوح تتلقى الأسر المتضررة فقط مبالغ مالية بسيطة إلى جانب توفير مواد غذائية وإيوائية بسيطة، إلا أن تأمين خيام ومأوى جديد لهم يتطلب وقتا كبيرا، ما يجعل المنكوبين يعيشون أوضاعا صعبة ويبات بعضهم في العراء لأيام.

الكثير من الأسر المتضررة من الحريق الأخير في الخوخة، ينتظرون أي لفتة إنسانية من المنظمات والجهات الإغاثية لمساعدتهم على تأمين مساكن جديدة يعيشون فيها بدل المساكن المحترقة، في ظل صعوبة العودة إلى منازلهم الحقيقية التي شردوا منها، في ظل استمرار سيطرة الميليشيات الحوثية على مناطقهم السكنية أو بسبب أعمال القصف المتواصلة أو الألغام التي زرعت بقرب منازلهم بهدف الانتقام منهم.