نجم المريري

نجم المريري

عن تعز وفداحة المصير.. اسمعوني جيداً

الثلاثاء 27 سبتمبر 2022 الساعة 04:57 م

ليس لأنني من تعز، أنا كائن أرضسماوي، كوزموبوليتاني، انتمائي للأرض لا يُحد، وشعوري بالانتماء ناحية تعز لا يمكن أن يتغلب أو يهزم الشعور ذاته ناحية عدن ومدن يمنية أخرى كصنعاء، بل على النقيض يؤججه ويعززه.

أنصتوا.. سأقول لكم:

يُعرف على التعزي أنه يبدع حين يكون خارج بيئته، صدَّرت تعز من المبدعين أكثر مما أنتجت، وهذه مسلمة لفرضية طبيعية في مدينة تفتقد لأبسط أدوات الإنتاج والتنشئة حتى الورقي منها.

كان عامل الإبداع، هو كل ما يمتلكه التعزي لتأصيل انتمائه والمفاخرة ولو بصورة مناطقية بهويته، وبشيء من الاعتزاز  والسموق يواجه النظرات المحدقة به وهي تهمس "هذه هي تعز" حين يقف أمامها منتصرا في معركة كلامية لصنعاء أو عدن ولو على (حساب) تعز.

إننا نخسر اعتزازنا اليوم، لا أحد ربما يشعر بذلك، اُفرغ التعزي، بمعارك آنية وهمية، من إبداعه الحقيقي.. من انتمائه الأصيل، وعُبئ، بشكل منظم، بالفوضى.. والفوضى الإبداعية منها.

إلى ماذا ننتمي اليوم؟! إن نزعة الـ"أنا" مهمة، كما أن المناطقية ليست موضوعا سيئا إلا إذا استحالت إلى شعارات.

 دون التسلح بالمناطقية سيكون أي توجه لتحرير الحوبان عسر المنال، وخساراته فادحة وخطيرة، إننا اليوم نردد اسم مدينتنا بشعور لا يخلو من العظمة، لكن لا أحد يعرف ماهية هذا الشعور، إنه أقل من أن يكون انتماء حقيقيا، وأكثر من مجرد شعار، إنها تنتفخ في صدورنا كورم لا أكثر، تعز في وضعها الحالي ليست أكثر من ظاهرة، شعار، فرقعة حطام.

لن تكون تعز محط فخر وانتماء إن لم يكن لديها ما تفاخر به، شيء تنتمي له ويبادلها الانتماء، إن عرضا طلابيا أقيم في إحدى مدارسها على وقع أغنية مسجلة ومُعادة هو كل ما نملكه للشعور بالانتماء... يا لها من خسارة.

كان بمقدرونا أن ننتمي للجرح الوطني الكبير، في وطن يتفنن أطباء ماهرون في تجريحه عضويا، لكن حتى ملف الجرحى تم تشويهه، ضمن اصطلاحات جمعية وأخلاقية أخرى كالدين والدولة والمجتمع والسيادة والجيش، كلها وقعت في يد لا تقوى، طوال تاريخها التنظيمي، على ملامسة الهواء والمصافحة دون قفاز.

إنها ليست موجات مدارية لتمر أو مرحلة ينبغي مواجهتها بالمزيد من الانكفاء، بسبب هذا الفهم القاصر يمضي التعزي اليوم منقسما ومفبركا، في حين يُدرك الجميع، أصدقاء وأعداء، أنها إعادة ترتيب للمشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي وللجغرافيا أكثر من كونها فوضى.. أو لنقل فوضى تعبر وتتنقل بمنهجية وبمنطقية مناطقية.

تدفع تعز ضريبة سيطرة الإخوان على أغلب مراكز قرارها، وسيكون المصير مؤلما لو بقيت قفازا في يد جماعة، يتملكها من القمار مقدار ما تخسر، ومما تضمره من سوء فهمها لنفسها.

إن الخطاب الذي يُصَدره باسم تعز قيادات وعناصر تنظيمية في حزب الإصلاح (فرع الإخوان المسلمين) لم يكن خطرا على تعز وهويتها الاجتماعية وحسب، لم يكن سببا في تجزئة تعز إلى ثلاثية، هو وفضلا عن عزلها عن محيطها، فقد أقصاها عن المعركة الوطنية، كما أنه ومهما اعتقدنا بغير ذلك، كان مبررا كافيا لإبطاء المعركة مع الحوثي في مناطق أخرى بقدر ما  كان سببا في إيقافها وتعويمها داخل تعز ذاتها.

ليس بمقدور الإصلاح كتنظيم دولي أن يعمل لصالح تعز، كما أنها كأولوية تتعارض مع أجندته العابرة للمكان والزمان..

هل ندرك اليوم فداحة المصير؟!

إجمالا، بإزاحة الإخوان يمكن أن نخفف من حدة الخسارة، إن لم نبطلها إذا ما بحثنا عن معاني ومفردات ووسائل حقيقية للانتماء الجمعي لهذه المحافظة الجريحة.

بقدر الخيبات، سأُمني النفس بأن تسابق تعز الزمن لإسقاط الإخوان وأن تجد من عقلائها من يجيد صياغة توجهها العام والخاص كوطن وكقضية بقواعد تحفظ لها تضحياتها، مركزيتها، كرامتها وفعلها المقاوم.