فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

ثورة الـ26 من سبتمبر والأخطاء التاريخية مع المستقبل

الأربعاء 22 يونيو 2022 الساعة 04:26 م

بعكس تجربة الجنوب ارتكبت تجربة الثورة في الشمال ثلاثة أخطاء تاريخية  «قاتلة» صبت مآلاتها السياسية/ المستقبلية/ في صالح العقل السياسي الحاكم تاريخياً في اليمن على حساب العقل السياسي الحزبي الطامح في حكم مستقبل شمال اليمن:

1- لم تحرص قيادة الضباط الأحرار وحتى سلطة الثورة على تحويل تنظيم الضباط الأحرار الذي فجر ثورة سبتمبر إلى حزب سياسي يتولى مقاليد سلطة الثورة، الأمر الذي جعل مشروع الثورة وحتى سلطتها السياسية، يفتقدان منذ البداية للحامل السياسي/ الثوري/ الجماهيري، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن عدم وجود هذا الحامل السياسي الجماهيري دفع سلطة الثورة وهي تخوض معركتها السياسية والعسكرية مع الملكيين إلى أن تفتح معسكر الثورة أمام الاحتشاد اللاثوري (الاحتشاد القائم على الخصومة والثأر مع بيت حميد الدين بغض النظر عن الإيمان بأهداف ثورة سبتمبر).

وهذا الاحتشاد اللاثوري الذي وجد في ظل غياب التنظيم السياسي الثوري هو الذي أسس لوجود الصراع السياسي داخل سلطة الثورة والجمهورية، لا سيما فيما يتعلق بسؤال المحتوى السياسي والدستوري والاجتماعي للدولة والجمهورية في شمال اليمن.

تقول المعطيات، التي صاحبت مسار الصراع السياسي والعسكري في شمال اليمن، بأن سؤال محتوى النظام الجمهوري في شمال اليمن كان يُطرح من قِبل العقل السياسي الحزبي الذي تسرب إلى داخل سلطة الثورة خلال سنوات الدفاع عنها، خصوصاً وأن هذا الصراع امتد من عام 1962م إلى 1970م، حتى أوشك على إسقاط الجمهورية في حصار السبعين.

وفي المقابل تقول نفس المعطيات إن العقل السياسي الحاكم تاريخياً في اليمن  «الذي تسرب هو الآخر إلى داخل سلطة الثورة، عن طريق زحف القبيلة التاريخية الجهوية» هو الذي كان على الدوام، يعارض مسألة الوقوف على سؤال المحتوى السياسي والاجتماعي الذي كان يطرح على طاولة سلطة الثورة، الأمر الذي يعني أن معادلة صراع السنوات الثماني التي أعقبت ثورة سبتمبر كانت من جهة أولى صراعا بين الجمهوريين والملكيين على قاعدة رفض الجمهوريين لعودة بيت حميد الدين إلى سدة الحكم.

ومن جهة ثانية صراع "بيني" أكثر شراسة داخل الصف الجمهوري بخصوص محتوى النظام الجمهوري والمستقبل الذي يجب أن يتأسس على أهداف ثورة سبتمبر، ما يعني أن الصراع الذي حدث داخل سلطة الثورة كان يحمل في طياته تقاسيم العقل السياسي الحاكم تاريخياً في اليمن والعقل السياسي الحزبي الطامح في حكم مستقبل الشمال، بعد أن تسرب الاثنين إلى داخل سلطة الثورة والجمهورية.

بعد جولات من الصراع السياسي العسكري، تغلب العقل السياسي الحاكم تاريخياً في تولي مقاليد سلطة الثورة في حين تحول العقل السياسي الحزبي إلى معارض، بعد أن فقدت السلطة ثوريتها.

لهذا كان من الطبيعي أن تحدد اتفاقية 1970 آفاق المستقبل السياسي للجمهورية في شمال اليمن على أساس التخلي عن بيت حميد الدين، وعن النظام الملكي، مقابل التخلي عن سؤال المحتوى السياسي والاجتماعي للثورة والجمهورية، وهو ما كان يتطلب عملياً تنظيف أجهزة السلطة الحاكمة من وجود العقل السياسي الحزبي، لا سيما من قيادات المؤسسة العسكرية التي برزت في معركة حصار السبعين «ذلك على سبيل المثال وليس الحصر» بمعنى آخر التخلص من بيت حميد الدين ومن ثوار سبتمبر وفي مقدمة هؤلاء ذو التوجهات الحزبية.

هكذا حددت اتفاقية 1970 «التي أنهت الحرب الأهلية في شمال اليمن» معالم المصالحة الوطنية على المستوى الداخلي بين الجمهوريين والملكيين، بعد أن تم استيعاب الملكيين في أجهزة سلطة الثورة وإخراج الثوريين الحزبيين منها، وعلى المستوى الخارجي بين شمال اليمن والمملكة العربية السعودية، بعد أن تخلت السعودية عن دعم عودة النظام الملكي.

وقد انعكس ذلك على تحديد ملامح المستقبل السياسي للجمهورية في صياغة دستور الجمهورية العربية اليمنية 1970 الذي حرّم الحزبية واعتبرها خيانة عظمى، ما يعني في الواقع تجريما قانونيا وإقصاءً سياسيا للعقل السياسي الحزبي الذي بدأ طامحا في حكم مستقبل شمال اليمن بعد ثورة سبتمبر.

2- مع أن الوعي السياسي الثوري للضباط الأحرار هو في الأساس نتاج ثقافي لفلسفة العقل السياسي الحزبي (حزب البعث وحركة القوميين العرب) الذي تكون أواخر الخمسينات في شمال اليمن وفي عدد من الأقطار العربية التي درس فيها أعضاء التنظيم، إلا أن أعضاء التنظيم ظلوا في المقام الأول ضباطا عسكريين تخرجوا علمياً ومهنياً من داخل المدرسة العسكرية.

ولهذا فإن الانتماء العسكري، بقدر ما جعلهم غير مكترثين سياسياً في مسألة تحويل تنظيمهم العسكري الثوري إلى حزب سياسي يتولى مقاليد سلطة الثورة بعد تفجيرها، بقدر ما جعلهم في نفس الوقت يسلمون سلطة الثورة في أول يوم من اندلاعها إلى قائد عسكري من خارج صفوف التنظيم الثوري، وليس لقيادة سياسية مدنية، وهو ما جعل سلطة الثورة في الشمال تتأسس سياسياً وقانونياً من نقطة الصفر على الثقافة العسكرية التي تضيق ذرعاً بفكرة الحزبية والتعددية السياسية، ناهيك عن أن سلطة الثورة بقيادة الرئيس عبدالله السلال تلقت دعمها السياسي والعسكري وحتى المالي من قيادة مصر عبدالناصر التي كانت هي الأخرى قيادة عسكرية قومية قدمت الكثير في سبيل الثورة اليمنية، إلا أنها «سياسياً» لم تكن تؤمن بفكرة الحزبية والتعددية السياسية وتعارض وجودها في اليمن.

زد على ذلك أن القيادة المصرية كانت تعيش على مستوى الوطن العربي، بعد فشل وحدة مصر وسوريا، صراعا حادا مع البعثيين، ومعظم قيادات تنظيم الضباط الأحرار في اليمن بعثيون، ما يعني أن السلطة السياسية لثورة 26 سبتمبر مع الداعم القومي لها، من خلال هذه المعطيات السياسية والعسكرية، شكلت «بقصد او بدون قصد» حالة خذلان للعقل السياسي الحزبي في الشمال، وفي المقابل حالة نصرة سياسية اجتماعية للعقل السياسي الحاكم تاريخياً في اليمن كما سوف تتضح الصورة أكثر في المآلات السياسية المستقبلية للمسألة التشريعية والقانونية التي أقدمت عليها قيادة سلطة الثورة بعد أربعة أشهر فقط من عمر الثورة والسلطة في الشمال.

3- في الشمال كانت دولة الجمهورية العربية اليمنية تحتاج للبناء السياسي والتشريعي والمؤسسي من نقطة الصفر، وهذه الحاجة نجدها في أهداف ثورة سبتمبر التي صاغها العقل السياسي الحزبي، إلا أن سلطة الثورة بزعامة الرئيس عبد الله السلال، لم تكن تدرك إشكالية العقل السياسي التاريخي الجهوي في شمال اليمن. لذا بدلاً من أن تصدر قرارات وقوانين جمهورية تساهم في خلق شروط المستقبل السياسي للجمهورية التي تتحقق فيها أهداف ثورة سبتمبر، بدلاً من ذلك أصدرت قرارات وقوانين تعمل على إعاقة خلق مثل هذه الشروط.

فعلى سبيل المثال أصدر رئيس الجمهورية في 3 يناير 1963م قرار إنشاء المجلس الأعلى لشؤون القبائل مكون من 12 شيخا، وفي 11 فبراير من نفس العام تم الإعلان عن مرسوم تشكيل مجلس القبائل من الأدنى إلى الأعلى.

 وقد فصلت قرارات رئيس الجمهورية كيفية قيام هذه المجالس القبيلة التي أصبحت جزءاً من بنية السلطة.

 وفي 28 أبريل 1963م صدر قانون بشأن مجلس شيوخ القبائل وتكوين اللجنة المركزية لشؤون القبائل، ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل صدر في المقابل القانون رقم 7 في 28 مايو 1963م المتعلق بحظر قيام أحزاب سياسية في شمال اليمن.

مثل هذه القرارات والقوانين عملت في واقع الحال على استدعاء القبيلة التاريخية الجهوية من المجال الاجتماعي إلى داخل المجال السياسي الأمر الذي جعل سلطة صنعاء تتأسس سياسياً على عصبية القبيلة السياسية التي تكونت في ظل الجمهورية على أساس ثقافة القبيلة التاريخية وعلى ثقافة الجهوية والمناطقية والمذهبية، وجميعها انتماءات عصبوية بقدر ما تحولت إلى ثقافة سياسية ماضوية ترسم معالم وحدود المركز المقدس، بقدر ما شكلت محددات العقل السياسي الحاكم تاريخياً في شمال اليمن.

ما يعني في النتيجة النهائية أن التشريع القانوني والدستوري في ظل الجمهورية لم يعمل على خنق العقل السياسي الحزبي فقط، بل شرعن للعقل السياسي التاريخي في مسألة الاستيلاء على مقاليد الحكم، ناهيك عن كون هذا الأخير ظل حتى عام الوحدة اليمنية، يستخدم سلطة الجمهورية في ضرب العقل السياسي الحزبي، تحت ذريعة تنفيذ النظام والقانون والدستور.